About Me

صورتي

Strategy management consultant & Engineer. I write about politics, economics, business,and technology. I'm a nationalist with libertarian capitalist views

2013-09-02

القاعدة الدائمة، الفردي أفضل من القائمة

القاعدة الدائمة ... الفردي أفضل من القائمة

بينما بدأت لجنة الخمسين عملها في مناقشة مسودة الدستور، يدور بعض النقاش حول النظام الانتخابي الافضل لمصر. وجهة نظر كثيرين و أنا منهم هو أن النظام الفردي هو الأفضل، و هو ما وصلت اليه توصيات لجنة العشرة في مسودة الدستور.
فيما يلي من نقاط سأحاول أن أوضح الاسباب:

1.        يجب علينا أولا أن نضع المصالح العليا للبلاد فوق المصالح الشخصية أو الفئوية أو الحزبية، و التي قد تدفع البعض الى تبني نظام انتخابي يفيد حزبه على حساب الوطن. و بينما لم نطالب بعد ثورة يونيو بمحاكمات ثورية أو شعبية أو حتى بقانون للعزل السياسي كما فعل الاخوان مع منافسيهم، فاننا نطالب فقط بنظام انتخابي عادل ينزع الافضلية الانتخابية عنهم، و يعيد للشعب أحقية الاختيار.

2.        الانتخاب بالنظام الفردي هو الأفضل لمصر في المرحلة الحالية و سوف ينتج عنه برلمان متنوع أكثر تعبيرا عن خيارات الناخبين الذين يعرفون نوابهم في دوائرهم ويستطيعون اختبارهم و محاسبتهم ، بدون سيطرة لتيارات أو لأحزاب بعينها، أسوة بأغلب دول العالم الديموقراطية. و لا يتصور أحد أن نواب البرلمان البريطاني أو الجمعية الوطنية الفرنسية هم أناس هبطوا بالبراشوت على مقاعدهم و لا يوجد لهم تواجد واضح في دوائرهم و شعبية محلية.  كما أن الهند أكبر ديموقراطيات العالم،بسكانها الذين يمثلون حوالي سدس البشرية‏، و ناخبيها الذين تجاوز عددهم السبعمائة مليون، يقترعون في أكثر من ثمانمائة ألف مركز اقتراع، تعتمد النظام الفردي في الانتخابات.

3.        النظام الفردي يؤسس لمساءلة حقيقية  لممثلي الأمة ويضع القواعد اللازمة للمحاسبة وارساء أسس التمثيل الديمقراطي الحقيقي، الى ان تظهر تجارب حزبية واضحة المعالم تلتف حولها الجماهير. لابد أن يخضع كل نائب لاختبار جاد لكفاءته و قدرته و شعبيته و قربه من ناخبيه و ليس لموقعه على قائمة هذا الحزب أو ذاك. القوائم تجعل الناخب مدينا لقيادات حزبه على حساب مصالح ناخبيه.

4.        شهد برلمان 2012 وصول العديد من الشخصيات المجهولة والمتطرفة من خلال القوائم، و وجد الناخب المصري نفسه و قد فرضت عليه أسماء لا يعرفها و لا يثق فيها لتمثله في البرلمان. و كان الأداء البرلماني أشبه بالفضيحة في حق الحياة النيابية المصرية، ثم كتبوا أسوأ وثيقة دستورية عرفتها مصر. هؤلاء لم يكن لهم ليحصلوا على مقاعدهم تلك الا عن طريق القائمة. أما النظر الى نتائج برلمان 2012 بشكل حسابي بحت مع اهمال العوامل الاسثنائية التي تمثلت في عزل المنافسين المحتملين للتيار الديني و بسبب اختلاط الفردي بالقوائم و ظاهرة الصوت المزدوج و اتساع الدوائر و تحالفات الكتل المختلفة ، فسوف يؤدي الى استنتاج فاسد، لأن انتخابات 2011/2012 سواء بالقائمة او الفردي ضخمت حجم الاخوان لأقصى درجة ، كما أن الأغلبية من الناخبين اندفعت في التصويت على القوائم من منطلق معركة الهوية بين ديني و مدنيى لأن الانتخابات سبقت وضع الدستور، و هو أمر مختلف في الانتخابات القادمة، حيث ستكون هوية الدولة محسومة بالدستور.

5.        نظام القائمة هو حصان طروادة لعودة الاخوان الى مجلس الشعب عبر التحالف  مع الاحزاب التي تعاني ضعفا في قواعدها و غيابا شعبيا واضحا. هذه الأحزاب أقرب إلى المنتديات السياسية، تفتقر إلى الجماهير والعمل التنظيمى. فالأحزاب التي سارت خلف الاخوان في الانتخابات الماضية و روجوا لنظام القائمة خسروا كثيرا عندما سيطر التيار المتأسلم على 70% من المقاعد المخصصة للقوائم والتي كانت تشكل ثلثي المجلس. و كلنا نذكر أن الوفد مثلا لم يجد في برنامجه أو مبادئه أي تعارض يمنعه من الانضمام الى التحالف الديموقراطي الذي يقوده الاخوان منذ مارس 2011 حتى انسحب قبل موعد الانتخابات مباشرة اعتقادا منه أنه سيحقق مكاسب أكبر بقائمة منفردة، فاذا به يحصل على 7% فقط من المقاعد.  كما أن هناك 21 حزباً مدنياً لم تستطع تحقيق نسبة 0٫5٪ للحصول على أى مقعد. وهذا هو السبب وراء ضغط الاخوان و حلفائهم من أجل تضمين دستور 2012 المعطل مادة تؤدي الى اجراء الانتخابات البرلمانية بنفس الطريقة المشوهة التي جرت بها انتخابات البرلمان المنحل من أجل ترسيخ مكاسبهم التي حصلوا عليها بالقوائم و الدوائر الواسعة

6.        والأحزاب التي فشلت في اقناع المواطن باستمارات العضوية كيف ستنجح في اقناع الناخب بالتصويت لقوائهما بناء على برامج لا يعرف عنها شيئا؟ حتى في انتخابات 2011/2012 ، واجهت كثير من الأحزاب صعوبات جمة في استكمال عدد مرشحيها بالقائمة لدرجة أنهم كانوا يستجدون أن ينضم اليهم أي شخص يحمل صفة عمال! كما أن ثورة المصريين في يونيو جاءت عقب فكرة تمرد المبتكرة بعيدا عن الأحزاب الكسيحة، ثم لهث قادة هذه الأحزاب كلها وساروا خلف حركة تمرد، بل وفوَّضوها و فوضوا شبابها فى الحديث باسم الشعب. كل الأحزاب تعانى من نزاعات وصراعات وتعدد التوجهات الفكرية داخل بنيان الحزب نفسه. هشاشة في التنظيم وضعف في الكوادر وانعزال عن الجماهير. تقوية الأحزاب لا يكون بمنحها مقاعد مجانية بالقوائم، بل بتحديث هياكلها و توسيع عضويتها و تواجدها في المجتمع بين الناس. هذه الأحزاب التي تتكاسل اليوم عن العمل الجماهيري وعن بناء قواعد شعبية حقيقية، سوف تستمر في هذا التكاسل طالما تحصل على مقاعدها البرلمانية و مناصبها الحكومية بهذه الطريقة السهلة، و بدون ان تخضع لاختبار حقيقي على الأرض.

7.        حاول أن تسأل أى مواطن في الصعيد أو الريف  عن اسم أى حزب سياسى؟ أو عن أسماء رؤساء الأحزاب؟ أو عن الفروق بين هذه الأحزاب؟ إذن على أى أساس ستقوم هذه الأحزاب باختيار ممثليها فى الريف والصعيد، إذا تمت الانتخابات بالقوائم كما يطالبون؟ وما الذى يدفع المواطن الذى لا يعرف أسماء الأحزاب إلى اختيار هذا الحزب دون غيره؟  كيف تتوقع من مجتمع لا يزال يعتمد الرموز الانتخابية للتفريق بين المرشحين، أن ينتخب القوائم بناء على التمييز بين برامجها؟ القوائم تعني وصاية النخبة الحزبية على الناس عن طريق أحزاب ضعيفة ونخبة ضيقة تحدد له ترتيب القوائم، بدلا من مشاركة الناخبين بفعالية في اختيار  مرشحيهم و تقييمهم على أسس موضوعية كل نائب على حده. انه لظلم بين أن تمنح هذه الأحزاب مقاعد برلمانية - في عملية أشبه بالتعيين - بينما يتم حرمان شعب غالبيته غير متحزبه و غير مسيسة من التمثيل الديموقراطي الحقيقي، لأن نخبة هذه الأحزاب تستحوذ على شاشات التلفزيون ولا تعمل على بناء قواعد شعبية حقيقية. التجربة أثبتت أن نظام القوائم جاء بشخصيات بلا شعبية فى دوائرهم الإنتخابية وبدون أي التزام تجاه ناخبيهم، بينما ينصرف معظمهم الى البحث عن مصالحهم الخاصة و مصالح من وضعوهم على رأس القائمة من قيادات الحزب

8.        التجربة اثبتت فشل نظام القائمة لأسباب دستورية في كل مرة. انتخابات 1984 والتي جرت بالقائمة، تحالف فيها الوفد مع الاخوان وحصلت قائمتهم على 58 مقعد وهو أكبر عدد من المقاعد حصل عليها حزب الوفد الجديد في الانتخابات. و في انتخابات 1987 والتي جرت بالقائمة مع تخصيص بعض المقاعد للمستقلين، تحالف حزب العمل مع الاخوان وحصلوا على 60 مقعد، بينما خسر الوفد نصف مقاعده التي حصل عليها في برلمان 1984.. وقد تم حل مجلسي 84 و 87 لعدم دستورية الانتخاب بالقائمة. فقاطع الوفد أول انتخابات بالنظام الفردي 1990 لأنه خسر أفضلية توسيع قاعدته الشعبية في المحافظات بالتحالف مع القوى المحلية من التيار الديني. و في 2012 تمت تجربة النظام المختلط فى المرحلة الانتقالية السابقة وكان عبارة عن الثلثين من الاعضاء بالقائمه والثلث بالفردي، والجميع يعلم كيف كانت النتيجة. لقد افرز هذا النظام اسوأ مجلس شعب فى تاريخ مصر ولم يكن لدى الجميع الا الحديث عن ذلك حتى حكمت المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون مجلس الشعب، وذلك لعدم اتاحة فرص متساويه للجميع. كفانا اضاعة للوقت بتكرار تجارب ثبت فشلها ونصر على تكرارها على أمل ان تعطى نتائج مختلفة، وهو ما لن يحدث

9.        من يدعون أن القوائم سوف تفيد تمثيل الأقباط، يتجاهلون أن كل المجالس التي أجريت انتخاباتها بالقوائم لم يزد تمثيل الاقباط فيها عن 6 نواب : في 1984 كانوا 4 ، في 1987 كانوا 6 ، و في 2012 كانوا 6. أما المرأة فحصلت على 37 و 14 و11 مقعدا فى نفس المجالس على التوالي، أي في انخفاض مستمر، وهو ما يؤكد أن هذا الأسلوب الانتخابى لم يحل المشكلة، بل زادها تعقيدا، خصوصا عندما تحولت الدعاية الانتخاية في القرى الى المفاضلة بين قوائم الاسلام و قوائم الكفار.  حزب الوفد في 2012 حصل على أكبر عدد من المقاعد التيار الديني. و كان لديه 39 نائبا منهم 37 نجحوا عن طريق القوائم، و منهم سيدتان فقط احداهما تم فصلها ، ونائبة قبطية واستقالت من الوفد لاحقا!. كما حصل تحالف الكتلة المصرية المكون من حزب المصريين الأحرار والحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي وحزب التجمع، على 33 مقعداً في البرلمان السابق نجحوا كلهم من خلال القوائم، منهم سيدة واحدة و 3 أقباط فقط. و هو ما يؤكد أن القائمة أي أن القوائم لم تخدم لا الأقباط ولا المرأة في برلمان 2012

10.    الاخوان والتيارات الدينية هم الأكثر قدرة على التعامل مع الدوائر الواسعة في نظام القائمة حيث تضم عددا من المراكز وقراها، ويجمعون أصواتا بالمال و باسم الدين من كل منها للحصول على عدد من المقاعد. أما فى النظام الفردي، و الذي سوف يؤدي الى جولة اعادة في أغلب الدوائر، فسيواجه مرشح هذه التيارات خصما قويا له شعبية محلية يستطيع أن يكشفه و يهزمه، فاذا كان لدى الاخوان شعبية 10% في المراكز، فهذه لن تترجم الى اصوات تكفي لنجاح المرشح الاخوان اذا اجريت الانتخابات بالنظام الفردي على مستوى المركز. أما اذا اجريت بالقائمة ، فان هذه الشعبية في كل مركز ستترجم الى أصوات على مستوى الدائرة الواسعة تضمن لمرشح الاخوان التفوق، ولهذا فإن التيارات الدينية تسعى دائما لفرض نظام القوائم الانتخابية

11.    ترتيب القوائم الانتخابية يكون بسطوة المال والنفوذ، في اختيارات فردية يتحكم فيها رئيس الحزب ومجموعته، و رجال الأعمال القادرون على الإنفاق على القائمة. واذا لم يجد المرشح مكانه الذي يريد في القائمة، ذهب لغيرها. فأين الانتماء الحزبى والدفاع عن البرامج وصراع الأفكار الذى يدافعون به عن نظام القوائم؟ كيف نفسر تواجد وزير القوى العاملة الحالي كمال أبو عيطة عضو حزب الكرامة الناصري على نفس قائمة الاخوان التي ضمت عزة الجرف أم أيمن بكل ما تمثله هذه السيدة من أفكار رجعية و عداء واضح للمرأة و للدولة المصرية ككل؟ أي التقاء فكري هذا الذي جمع بينهما في شروة واحدة؟ أم هي الرغبة في الحصول على مقعد البرلمان بأي شكل و بأي ثمن؟

12.    تأثير عامل المال على الانتخابات القادمة يتضاءل مع ارتفاع المشاركة. فمن يملك شراء بضعة آلاف صوت من الفقراء لن يستطيع الفوز عندما يكون الاقبال بعشرات الآلاف من المواطنين في كل دائرة. كذلك النائب الذي اعتاد في الماضي الحفاظ على مقعده بالخدمات المحلية التي يقدمها لأهل دائرته، لن يستطيع أن يستمر في هذا النهج مع 200 ألف من ناخبيه الذي يحرصون على المشاركة الانتخابية . لا يمكن اغفال أن نسبة المشاركة و اقبال الناخبين على استعمال حقهم الديموقراطي كانت تتراوح حول 15% في الماضي و تضاعفت اليوم الى 50% ، مما يحجم بشكل كبير تأثير المال و الخدمات. لابد من الثقة في وعي الشعب الذي قام بثورة يونيو وفي قدرته على الفرز و التمييز.

13.    كما ينبغي التنبه الى أن الاحتقان المجتمعي و الحالة الأمنية بالبلاد وبالأخص في سيناء يحتم عدم التعجل في اجراء انتخابات البرلمان – كما تريد هذه الأحزاب - و لابد من فترة لتتصالح النفوس ويطمئن فيها الناخبون. ولا بد أيضا أن نعرف أن تنظيم الاخوان دأب على غرس أتباعه في الأماكن التي لها اتصال مباشر بالعملية الانتخابية، و قام بانتداب المئات من كوادره في هذه المواقع، ولابد من مراجعة شاملة لهذه التعيينات قبل أن تتسبب في التأثير على الانتخابات. يجب ايضا عدم الالتفات الى الضغوط التي تمارس على مصر لاختصار خارطة الطريق التي توافق عليها الشعب، فخارطة الطريق مصرية ولن تملى علينا من الخارج. الاستحقاق الانتخابي القادم و المتمثل في استفتاء الدستور كفيل بالرد على كل هذه الضغوط.

14.    نريد أن نبني دولة مصر الحرة الكريمة بأبنائها اولا وليس بأحزابها فقط التى تحتاج الى سنوات لتشكيل قواعدها ومؤسساتها. صحيح أن لدنيا أوجه قصور عديدة في تركيبة المجتمع المصري، و لكن لا ينبغي أبدا التكبر على الواقع في مجتمعنا من أجل محاولة تغييره عنوة بالقانون أو تصور نتائج خيالية قد يأتي بها نظام القائمة.. علاج مشاكل التمثيل الديموقراطي في مصر لن يكون بالقائمة. هذه الوصفة تشبه خرافات الأميين أن الرذيلة علاجها الختان!!. وكما يقول الكاتب جمال أبوالحسن: "الديمقراطية وسيلة لتنظيم الصراع السياسى. طريقة لتمكين الجمهور من إعمال إرادته، وليس بالضرورة لاختيار الأصلح فى كل مرة. الديمقراطية تفترض أن العملية السياسية مستمرة. لها ديمومة أبدية. عبقريتها أنها تمنح الناس الفرصة لتصحيح الخطأ إن وقع. الديمقراطية- فى الواقع- تعطى الناس رخصة الخطأ، ولا تفترض أنهم دائماً على صواب"

15.    نظام القائمة قد يكون ملائما في المستقبل عندما تنضج التجربة الحزبية و تستطيع الأحزاب اقناع ناخبيها ببرامجها و قدرتها على تنفيذها، و قبل كل ذلك تستطيع أولا أن تقنع المواطنين بجدوى الانضمام الى عضويتها. قد يكون مفيدا التفكير في أن ننشئ مجلس الشورى او الشيوخ مستقبلا و يكون انتخابه بالقوائم تمثيلا للمحافظات المختلفة مع منحه سلطات تشريعية معينة. حتى ذلك الحين، سيظل النظام الفردى هو الأفضل اليوم لتأسيس حياة ديمقراطية سليمة، و لتجديد الأحزاب التى تطالب نخبتها التي شاخت بالقوائم من أجل المقاعد المجانية أملا في استمرارهم هم على مقاعدهم في قيادة أحزاب كسيحة

و أخيرا ..
الانتخابات الرئاسية 2012 هي الانتخابات الوحيدة التي خاضها الاخوان أمام منافس كانت رسالة حملته كلها تدور حول اعتبارهم تنظيما سريا و جماعة غير وطنية تعمل على تهديد الأمن القومي المصري، بينما انتخابات الشعب و الشورى التي جرت قبل ذلك كانت باعتبار الاخوان فصيلا وطنيا  و رفقاء الميدان كما كان يحب البعض أن يصفهم. فعندما اقول أن الفردي أفضل هذه المرة و أن القوائم هي الباب الخلفي لعودة الاخوان، لن يستطيع أحد أن يزايد علينا أو على دوافعنا .. خصوصا هذه النخبة من حلفاء الاخوان الذين يريدون استثمار تحالفهم القديم من أجل مقاعد البرلمان القادم.

قبل ثورة يونيو كنت أقول في كل مكان أننا سندخل حملتنا الانتخابية القادمة بشعار ازالة آثار العدوان.. عدوان الاخوان على الدولة المصرية.. وقد جاء اليوم الذي نبدأ فيه حملة كهذه.

م/ أحمد سرحان
عضو الهيئة العليا بحزب الحركة الوطنية المصرية
1 سبتمبر 2013





2013-05-28

من التخوين الى التثوير



من التخوين الى التثوير

"اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد ... وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين، وأما فترة ما بعد الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد، وتآمر الخونة على الجيش"

بهذه الكلمات، نقلت الاذاعة المصرية صوت أنور السادات في يوليو 1952 حاملا رسالة بسيطة: الفساد الذي تعيشه مصر سببه نظام خائن، ثوروا عليه. رحب المصريون بالحركة المباركة. ثاروا معها. فالوطنية والفساد لا يجتمعان. الصورة التي ترسخت عن نظام فاروق أنه خائن للوطن عميل للانجليز. هذه الصورة - وإن أثبت التاريخ أنها لم تكن كاملة - بنيت عليها شرعية يوليو.

صورة تكررت مع مبارك.

 دعاية الاسلاميين طوال حكم الرئيس السابق انطلقت من نقطة أساسية تتلخص في تخوين نظام الحكم: يتآمر مع اليهود في حروب غزة و لبنان. يدعمهم باتفاقيات الكويز و الغاز. يحميهم بمعاهدة السلام. يغلق المعابر وأبواب الجهاد. حليف الغرب عدو المسلمين.
تحالف غلاة اليساريين مع الاخوان لنشر هذه الصورة. في خطاب الاخوان، هو يعمل ضد الدين. في خطاب حلفائهم، هو ضد مصر والقومية. تراجعت صورته كقائد وطني منتصر في حرب أكتوبر أمام ضغط هذه الصورة: النظام الخائن.
كان منطقيا بعد ذلك أن تتقاطع خطوط هذه الصورة مع صورة أخرى مررها الاخوان عن مبارك: النظام الفاسد. مصر دولة غنية، لكن نظامها خائن. يخربها. فاسد يسرقها. يفرط في مصالح مصر الخارجية، بالتأكيد لا يحفظ ثرواتها. الخائن لن يتورع عن فتح السجون لنشر الفوضى. الخائن سيأمر بقتل المتظاهرين. الخائن ثروته سبعين مليار دولار. الخائن استولى على كنوز القصور الرئاسية. الخائن يحاكم بتهمة تصدير الغاز. الخائن باع البلد.

كان سهلا أن يصدق الكثيرون كل هذا. فالخائن فاسد.

ولكن هل انقلب الاخوان على سياسة مبارك الخارجية التي طالما خوّنوه بسببها؟ هل أصلحت "وطنية" الاخوان ما أفسدته "خيانة" مبارك؟ ما بين دعاوى الجهاد وتمزيق كامب ديفيد والزحف على القدس في الماضي، الى الحديث في الحاضر عن السلام والصمت عن انتهاك حرمة الأقصى، يتقافز حكم الاخوان بعيدا عن كل الشعارات التي قامت جماعتهم من أجلها و استمرت رسالتهم تحت لوائها، طوال عقود.
يدعي الاخوان أن هذه براجماتية سياسية، ويقتنع بهذا صديقي الليبرالي الذي صوت لهم قبل عام من اليوم، و يرحب بما يعتبره اعتدالا اخوانيا و انفتاحا نحو السلام.
كثيرون اصطفوا مع الاخوان ضد سياسة مصر الخارجية في السابق، بدءا من عملية السلام الى حرب غزة، مرورا بتحرير الكويت و غزو العراق والحرب على الارهاب. خدعهم الاخوان. يكتشف المصريون اليوم أن سياسات الأمن القومي المصري كانت في مجملها سليمة. وطنية. الواقع يؤكد، مبارك له أخطاء، لكنه لم يكن خائنا. استكمل استعادة الأرض و حافظ عليها وسلمها كاملة السيادة غير منقوصة. يستشعر المصريون اليوم أن الاخوان يستقوون بالأمريكان. يفرطون في سيناء. يتنازلون عن حلايب وشلاتين. يبيعون قناة السويس. يبددون حقوقنا في مياه النيل. يقايضون المستقبل بالقروض. التفريط في السيادة خيانة.
ضاعت سيناء قبل ذلك في زمن الزعيم خالد الذكر جمال عبدالناصر. هكذا يشير اليه الناصريون. خالد الذكر لأنه طاهر اليد. صورة لم تتشوه حتى بعد رحيله بعقود. زعيم وطني، اذن فهو غير فاسد. للزعيم عبدالناصر أخطاء كارثية لا ينكرها أحد. ضابط برتبة صاغ يقفز الى رتبة المشير ليقود جيش مصر الى أكبر هزيمة عسكرية في تاريخها الحديث. انتكاسة لم تكن لتحدث الا والفساد يضرب كل أركان الحكم. لكن جمال مثال الوطنية، خانه المحيطون به. هم فاسدون. هو لا . خرج المصريون يودعونه بالدموع. يقولون أنه رحل لا يحمل من حطام الدنيا شيئا. و جاء بعده السادات ليسترجع الأرض ويمحو العار. قائد وطني. ولكن اغتيال السادات بدأ بتخوينه. القائد المنتصر باع البلد . خلعت عنه الوطنية فالتصقت به تهم الفساد وانفتاح السداح مداح.

تثوير الشعوب يبدأ بتخوين الحاكم. الثائرون ضد الخليفة عثمان بن عفان اتهموه بخيانة الأمانة. الثائرون ضد علي قالوا أنه خان دم عثمان. آيات الله أفتوا بأن الشاه خائن عميل للغرب. وبين هذين الزمانين، ثارت شعوب وجماعات، عندما نزعت رداء الوطنية عن من خلعتهم.

في مصر، بيع الوهم للناس. صدّقوا فغضبوا فثاروا، فاكتشفوا بعض الخديعة مع فشل الذين خدعوهم. مع انقلابهم على شعاراتهم. كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا.

واليوم، يقاوم حكم الاخوان الفشل بقناع الايمان والوطنية. هو مؤمن، اذن هو أمين. هو وطني. اذن هو غير فاسد. ولكن المصريون يفهمون جيدا معنى الوطنية. عندها مبدأ كل شئ ومنتهاه. يقدّرون قيمة الدولة. أقدم دولة في التاريخ. الجيش قوامها. يفاخرون بوطنيته. بانتصاره. يدللون بمشروعاته المدنية على الانجاز والانضباط وعدم الفساد. عندما يستدعونه ضد الاخوان، فهم ينزعون عنهم كل وطنية. يسقونهم نفس الكأس: "الاخوان خائنون و حكمهم احتلال". لم يحاربوا يوما من أجل مصر . لم يدافعوا عن أرضها و لم يرابضوا على حدودها. 
هكذا يراهم قطاع عريض من المصريين. وهكذا سوف يسقطون.

أحمد سرحان

2013-04-01

عن دعوة التوافق الوطني بين القوى المدنية المحافظة والثورية


فيما يلى (٢٣ ) تغريدة كتبها الأستاذ عبدالله كمال يوم 1 ابريل 2013 ، تدعو الى إعادة التفكير فى العلاقة بين القوى المدنية التقليدية المحافظة والقوى المدنية الثورية خلال الفترة المقبلة

تمهيد :
 أ - : هذه التغريدات تعبر عن رأى الخاص ولاتعبر عن أحد فى المعسكر الذى انتمى اليه
 ب - : حين يطرح احدهم رأيا فإنه لايلزم به الاخرين لسبب بسيط وهو اننا هنا لسنا بصدد مناقشه حزبيه تهدف الى اتخاذ قرار يتم إتباعه
ج - : المبادىء لاتتجزأ ، لكن السياسة عمل مرن ، ولايعنى الحوار التخلى عن المواقف ، علما بأن المتغيرات تفرض دائما المراجعات
 د - : أذكّر ان احمد شفيق قدم نفسه رئيسا لكل المصريين وان عمر سليمان فاوض منسوبين للثائرين  كان لديه على بعضهم طن من التقارير
 ه - : كتبت فى التمهيد لذلك مطالبا القوى التقليدية بالتوقف عن المعايرة السياسية لنتيح للاخرين مراجعة انفسهم وطالبت بالحب الناضج لمبارك
 و - : الرئيس السابق مبارك نفسه كان مستعدا للحوار مع الاخرين بل وضم المستشار احمد مكى للجنة تعديل الدستور فى فبراير ٢٠١١

1)     من الواجب نستعد جميعا لصورة المشهد التالى بعد الاخوان وان يعيد كل منا حساباته والانتباه الى ان المرحلة التالية لن تتيح لاحد تكرار اللهو
2)     تحليلى الخاص أن مجتمعا مائجا يريد تغيير حكم الاخوان لن يتوقف عندهم فاذا لم يجد لدى القوى الاخرى قدرة فانه سيجرفها مع الاخوان ولن يبقي
3)      سوف ندور فى حلقات مفرغة اذا اعتقد فريق منا انه قادر على العمل وحده ، واذا ظن فريق غيره ان وقت انتصاره فرصة لتصفية الخصوم معنويا وسياسيا
4)      عانى فريق القوى التقليدية من الاقصاء وليس عليه ان يمارس ماعانى منه ،علما بان السياسة ليست علاقات شخصية تقوم على الود أو الخصام بل المصلحة
5)      لابد من إعادة ترتيب البيت المدنى فى مواجهة الفريق المتطرف الداعى الى الدولة الدينية ، فقد خسر المدنيون وكسب المتطرفون نتيجة للتشرذم
6)      حين ادعو للحوار فاننى ادعو للتوافق على مبادىء الدولة المدنية بغض النظر عن الاختلافات الايديولوجية ، مع الانتباه لزيادة الطلب على المدنية
7)      اساس الحوار والتوافق ان (٢٥يناير) واقع احدث تغييرا فى مصر ، فليسمها من يريد بما يشاء لكنها بالفعل احدثت تغييرا ،علما بانى لااصفها ب(ثورة).
8)      الاساس الموازى للحوار والتوافق ان القوى المدنية التقليدية واجهت الجميع وهى تمثل نصف المجتمع على الاقل كما اثبتت الانتخابات الرئاسية
9)      الاعتراف المتبادل بين القوى المدنية هو الاساس .. لااقصاء ولاتناحر وانما تنافس
10)  انت ازحت القوى التقليدية المدنية من السلطة ب٢٥ يناير ، ونحن اثبتنا للقوى الثورية المدنية انها لايمكن  تصل للسلطة فى الانتخابات الرئاسية
11)  فى الحالتين /٢٥ يناير والانتخابات الرئاسية / فاز من تناحر القوى المدنية فريق الدولة الدينية ولابد ان نقر اننا جميعا نعانى من محصلات ذلك
12)  يرتبط بأهمية الحوار بين القوى المدنية المختلفة تمهيد الارض قبل او بعد لاى دور قد تقوم به المؤسسة العسكرية فهى لن تكون لاجل فريق ضد غيره
13)  توافق القوى المدنية التقليدية والثورية سيكون اقرارا من القوى التقليدية باهمية الاصلاح، كما انه سيدفع القوى الثورية لان تعتدل فى تصوراتها
14)  سيدفع الحوار والتوافق بين القوى المدنية فريق التطرف الدينى ان يتخلى عن غروره ،اضافة الى عامل فشله ، وان يقبل الرضوخ لمبادىء الديموقراطية
15)  فى نهاية الامر لايمكن إقصاء القوى الدينية بل لابد من استيعابها لانها من مكونات المجتمع لكن هذا الاستيعاب لن يتم اذا ترسخ التشرذم المدنى
16)  لايمكن ان يتم استيعاب القوى الدينية فيما بعد بالطريق السياسي بل بالرضوخ القانونى لانها لايمكن الوثوق فى نواياها والقوانين تحتاج اغلبيات
17)  للقوى المدنية مصلحة ان تتوافق على مبادىء الدولة المدنية وقواعد الديموقراطية ومعايير الامن القومى الملزمة للجميع من خلال دستور عصري
18)  للقوى المدنية مصلحة ان تتوافق لانها موزعه على مختلف انحاء ومؤسسات واجيال مصر واذا لم تفعل فانها ستواجه مصاعب جمة في التغلب على الفوضي
19)  التوافق الذى ندعو اليه بين القوى المدنية لايعنيه ان ينال هذا الشخص الثورى اعترافا او يحصل هذا الاصلاحى التقليدى على مكانه. هذا متروك للفرز
20) لايريد هذا التوافق الذى ادعو اليه ان يصطدم بمواقع ومكانات حققها هذا او ذاك ، نحن ندافع عن مصالح عامة ، والمجتمع هو الذى سيقرر من يتقدمه
21)  لا اغفل اهميه تويتر فى الحوار ولكن ادعو الجميع الى ان ينتبه لمؤثرات تفرضها الشبكات الاجتماعية على الحوار بين الاطراف فهى بطبيعتها مظهرية
22) احترم كل الجوانب العاطفية التى تمنع بعض الاصدقاء من تقبل الفكرة لكن هذا ليس وقت عواطف كما لا يمكن لاى شخص عانى ان يزايد على ما عانيت شخصيا


ملحوظة: يشرفني كثيرا أن تأتي هذه التغريدات من الأستاذ عبدالله كمال دعما لي في مواجهة هجوم قاس تعرضت له في الأيام السابقة ردا على دعوات للتصالح والتوافق




نصف المجتمع الآخر 
شباب مصر الخائف من " الكيد السياسي"! 
المقال المنشور في ٧ ايام يوم ٣٠ يناير ٢٠١٣
بقلم : عبدالله كمال

قالها المبدع مرسي جميل عزيز علي لسان كوكب الشرق .. فتغنت بالحكمه في رائعتها  (فات الميعاد) : " عاوزنا نرجع زي زمان ..قول للزمان ارجع يازمان " . وفي السياسه كما في  الحب ، وفي مسارات الشعوب كما في تجارب المشاعر : لايعود الزمان الي الخلف .

         تقول ام كلثوم في (المعاهده المستحيله) التي تقترحها  لكي يتحقق رجوع الزمان : " وهات لي قلب لاداب ولاحب ..ولا انجرح ولا داق حرمان " . إن للقلوب خبراتها ، وللشعوب تاريخها ، ومن ثم فإن عقول الامم لاتخوض المراحل التاليه من الازمنه بنفس الخبره .. لانها ببساطه تعلمت او اكتسبت الدروس  ..ولأن الشعوب حيه .. وتتجدد .. لاتصدق من يمكن ان يقول انه إمتلك آلة الزمن .. او حاول إقناعها  بأن التاريخ سوف يكرر نفسه .. وأن افلام الابيض والاسود يمكن ان تعود بعد ان تعودت اعيننا علي الشاشات الملونه ثلاثيه الابعاد .

        دع هذا جانبا ، سوف نعود اليه بعد قليل . ارجو ان تعتبره تمهيدا لمقصد آخر اريد ان اناقشه ..وسيكون مدخلي - اذا سمحت - شخصيا : هل تعتقد انني اشعر بالسعاده بينما الكثيرون يترحمون علي ايام مبارك ؟ هل تظن انني اقول : هل رأيتم .. لقد كنت علي حق ؟ إجابتي هي النفي القاطع . لن يفيد مصر ان نتباري في (معايره سياسيه) . هذا يخرج لسانه ويقول : "ألم نقل لكم" ، وذاك يلوي شفتيه مرددا : "ماأسوأ من هذا الا ذاك" !

       المواقف كانت ولم تزل بالنسبة لي مسألة مبدأ : لاتتلون . لاتتحول . لكن يمكنك ان تراجع افكارك بهدوء وفق منهج علمي . المراجعات أساس التطور ، وإعادة التقييم جوهر مايعرف باسم ( التغذيه الارتداديه) في منهج تحليل النظم . في ذات الوقت فإن  التلون يعني ان الكاتب لم يكن يؤمن بما نشر علي الناس ، والتحول يؤكد انه كان يستفيد مما يحاول اقناع القراء به . ببساطه (يتربح) . 

        في مساء يوم ١١ فبراير وبعد ان قرأ المرحوم  اللواء عمر سليمان بيانه الشهير معلنا نهاية عصر مبارك ، قلت بوضوح  في تصريح  لقناة العربيه :" من الان صرت معارضاً .. وفق الله العهد الجديد ". لقد كنت اعنيها حرفيا .. واثبتت الايام ذلك ..لكن الله لم يوفق بعد العهد الجديد .. ذلك أنه لم يبدأ بعد .. فنحن في زمن الانتقال ..وليس (زمن الاخوان) الا مرحله عابره.

       خلال العامين الماضيين لم اعتكف في ( كلوب محمد علي ) ، كما هي الصوره النمطيه التي غرسها في ذهن الجمهور فيلم (ناصر ٥٦ ) التاريخي عن نخبة ماقبل ثورة يوليو ١٩٥٢ .. إن بعض ابناء جيل ٢٥ يناير يظنون ان القوي التقليديه التي انتمت الي عصر الرئيس مبارك تتلبسها تلك الحاله ، ويعتقدون انهم يريدون للايام ان تعود .. للاسف ، ومع بالغ الصدمه التي يمكن ان يسببها المعني التالي اقول : اكثر من آمن بضروره ان تتغير مصر بعد ماحدث في يناير / فبراير ٢٠١١ ، هي الفئات الاجتماعيه والسياسيه التي طالب متظاهروا التحرير بابعادهم واقصائهم .

         وبينما كنت اعيد التقييم من خلال مشروع منظم لكتابه تاريخ العصر الذي ارتبطت بنظامه .. ولا اندم علي ذلك الارتباط  ، كان ان انفتحت علي عدد من الشباب الثائر .. الذين يمكنهم ان يقبلوا مبدأ النقاش ..والذين بادلوني انفتاحا بانفتاح . حيث التقينا سويا فوق جسور تعتلي هوة الزمن الذي بين اعمارنا ، وتجسر فجوه التناقض بين افكارنا .. دون ان يعني هذا ان احدا منا قد ذهب الي ضفه الاخر .. تماما كما لايمكن تخيل انهم قاربوا الخمسين سنه مثلي او انني عدت الي الثلاثينات و نهاية العشرينات التي مازالوا هم  عندها .

       استفدت ، وقد يكونوا استفادوا .. لا اتحدث نيابة عنهم . تعلمت ، وقد يكونوا تبادلوا معي الخبرات . فيما بعد قد يحين الوقت لكي اعرض لبعض تلك الافكار التي تناقشنا فيها .. لكن المهم هنا هي ان صديق عزيز وشاب ، عرفني قبل ايام الي طبيبه ، شابه بدورها،  من هذا الجيل الغاضب الذي كان قد إعتصم اياما وليالي في ميدان التحرير .. لايري امامه سوي اهداف ثورته . وخلال النقاش .. كان ان استوقفتني مقوله نقلتها عن بعض ابناء جيلها : " إننا محبطون .. وفينا من لايريد ان يعلن إحباطه حتي لايشمت فيه الاخرون"!!

   كنت أقرأ علي (تويتر) تعبيرات مماثله ، وامر عليها دون اعتناء ، لكنني ناقشتها - الطبيبه الشابه -  في مدي جدية وصدق  خشية الشعور بالشماته .. الي ان اكتشفت انه تخوف حقيقي لدي الكثيرين .. وكان ان راجعت مواقف كثيره ومقالات متنوعه .. فتبين لي انه قد - اقول قد - يمكن تفسيرها وفق مقياس (الخوف من الشماته) . و لا اريد ان اضرب امثله هنا حتي لايكون الامر تكريسا لهذه المشاعر الي يخشاها من راجعوا انفسهم ولايريدون ان يواجهونها بالحقيقه .. او واجهوها ولايرغبون في ان يعترفوا بذلك علنا .

     إذن نحن أمام أمرين : الاحباط ، والخوف من الشماته .. أضف اليهما الرعب من ان يعود الزمان للوراء .  لاحظ معي انها جميعا (مشاعر) ، تعبر عن حالة مزاجيه ، وعن وجدان مرتبك . حالة عاطفيه تؤثر في الاختيارات الواقعيه .. لو إستمرت لبقي الارتباك وينع التخبط وازدهر الجمود .. وحوصرت مصر في انقسامها ، الذي صنعته تلك المشاعر قبل ان ترسخه اجراءات وقوانين وسياسات وأخونه حرصت علي ان تبقي الشعب متشرذما .. اتباعاً لقاعده فرق تسد المعروفه .

       أعرف كثيرا من العائلات تتنوع فيها الاتجاهات السياسيه بين الاجيال المختلفه .. وبين ابناء الجيل الواحد .. لايختلف الابن وامه ،ولاتختلف الابنه واباها ، بل ويمكن ان يتناقض الاخ وأخاه .. والزوجه وزوجها .. فبعد ان تمكنت الموجه الثوريه العارمه من تسيس العائله المصريه المنتميه للطبقه الوسطي في المدينه .. انتقلت حالة الاستقطاب من بين الاحزاب والاتجاهات السياسيه الي داخل البيوت .. وصار الشقاق مرضا مصريا عاما .. وهكذا يمكن ان تجد مصلون ينقلبون علي امامهم ويسبونه في قلب المسجد .. كما يمكن ان ترصد خلافا داخل كنيسه في حي .. لان شبابا يريدون ان يؤيدوا هذا .. وشبابا غيرهم يريد ان يؤيد ذاك .

       لا استهن بهذا علي الاطلاق ، فقد كان للترتيب العائلي احترامه .. وكان الرابط الاسري اقوي من اي خلاف .. كما انه لم يكن لاحد ان يتصور ابدا ان يسمع شتيمه الامام داخل مسجد .. او ان يخالف المسيحي واعظه اذا مااقترح عليه شيئا .

     نعود الي النقطه الاولي التي استلهمنا حكمتها من ام كلثوم .. وشروطها المستحيله لمعاهده غير ممكنه بعد ان " فات الميعاد " .. إن التاريخ لايكرر نفسه كما يردد الكثيرون .. بالتأكيد له حكمه وقيم ودروس مستفاده .. لكن الوقائع لايمكن ان تتكرر . وباليقين فان احد اهم أخطاء الاخوان البنيويه .. هم  والتيارات الدينيه التي تتحالف معهم .. انهم يعتقدون اننا يمكن ان نرجع الي عصر قريش .. او يعتقد بعضهم ان الرئيس هو عثمان ابن عفان .

      في الواقع هذه معضله نفسيه عامه .. ومتجذره في شخصيتنا . بعضنا حلم بأن يعود الناصر صلاح الدين .. وبعضنا يتمني حتي اليوم ان يعود جمال عبدالناصر .. ومازال فينا من يظن انه يمكن ان يكون فينا حاكم مثل خليفه رسول الله (ص) عمر بن الخطاب رضي الله عنه . لقد كانت تزعجني للغايه قصيده شهيره للاستاذ جمال بخيت عنوانها ( ارجع بقي ) .. وهي علي شاعريتها المدهشه الا انها تحسد مشكله في منظومه القيم .. حين تتحدث عن هذا الذي يتمناه ان يرجع لكي ( يفك حبل المشنقه ..ياجدرنا تحت التراب ..ياحلمنا فوق السحاب ) . أي كائن هذا الذي يمكن ان يصل الارض بالسماء ؟؟

 

       ومن طرائف الامور ان هذا السقام النفسي المستغرق في ( الماضاويه) ظل منذ رصدناه انتقائيا .. يختار حقبا من تاريخ الخلافه الاسلاميه .. او نماذج من عصر المد القومي الناصري .. فلم اسمع أحدا يطالب بعودة مينا لكي يوحد الشعب الذي تفرق .. او إخناتون لكي ينبهنا الي اننا اكتشفنا كمصريين التوحيد قبل الاديان .. أو صناع الحضاره الخالدين أحمس ورمسيس وتحتمس وغيرهم .

   لا أنا ، ولا الملايين الذين يقارنون الان بين العصور ، يمكن ان نعتقد ان زمن مبارك قد يعود .. لا أحد حسبه صلاح الدين .. ولا احد ظن انه عبدالناصر .. ولا اكسبه صفات شخصيه دينيه مبشره بالجنه كما فعلوا مع الرئيس مرسي . لكننا نعتقد ان هذا كان رئيسا وطنيا ، لم يخن بلده ، عمل من اجلها .. أخطأ بالتأكيد .. فهو بشر .. وأجل التغيير سنوات  وهو مالم يكن مواتيا مع رغبات شعبه .

    إن اهم رساله خرج الشباب من أجلها في ٢٥/٢٨ يناير هي ( التجديد) .. وقد كان جوهر هذه الموجه الثوريه هو المطالبه بالحداثه .. والمجتمع العصري .. والتطوير الذي تستحقه البلد .. ولا اعتقد ان نصف المجتمع الاخر الذي لم يشارك في هذا يرفض ايا من تلك الرغبات - الاهداف  .. وان لم يقبل الطريقه والاسلوب .. او كان يستشرف التبعات والنتائج .

        ولابد ان عدم تحقق اي من هذه الاهداف .. بل وتبين ان حكم الاخوان يقودنا الي ماهو نقيضها .. ويخالفها تماما .. بعد ان عاد المجتمع يناقش من جديد هل تتعلم المرأه ام تكتفي بالابتدائيه .. وبعد ان رجع الي مرحله الجدل حول مساحه مايمكن الكشف عنه من مساحه النقاب .. لابد ان هذا هو بعض اسباب الاحباط الذي يزيد يوما تلو آخر . لقد كتب لي شاب اعتبر نفسه ممن وصفتهم في مقالي السابق ب( الكريز الثائر) :" نحن الان ياسيدي محبطون .. ونادمون .. واغلبنا يهاجر بعد ماسببناه لبلدنا " .

   لايسعدني هذا ، ولا اعتبره انتصارا شخصيا او ايديولجيا ، بل ان إحباط هذه الفئه وغيرها من الطبقه الوسطي لايمكن الا ان يضر المجتمع .. وإبتئاس بعض الشباب الثائر .. حتي لو جادل وهو يري حوله مايجري لمصر .. يمثل خساره كبيره .. لان هذا الشباب كان ولم يزل يمثل (طاقه حقيقيه) اضيفت الي مقومات المجتمع .. وعبرت عن اننا نحتاج الي اعاده بناء منظومه علاقتنا المجتمعيه .. وتقييم قيمنا .. وبالطبع وقبل كل هذا تطوير مؤسساتنا وتحديث دولتنا .

   امتلك هذا الشباب الطاقه .. لكن عازته الرؤيه .. كانت لديه الرغبه ولم يكن يسانده مشروع .. حدد الشعار غير انه لم يجد من يصيغ له الهدف .. تصور ان مصر سوف تفتح الستار في يوم ١٢ فبراير ٢٠١١ علي عصر جديد .. فتكون الشوارع نظيفه .. والمرور منظم .. والفقراء مرفهون .. والعاطلون يعملون .. والعداله تسود بين الطبقات .. مقاصد نبيله لكنها تحتاج الي زمن لكي تتحقق .

   في هذا السياق يثير دهشتي أن عددا من رموز النخبه المصريه المثقفه ، كانوا بين من شارك لسنوات طويله فيما عرف باسم ( المشروع النهضوي العربي - نداء المستقبل) .. وقد اعلنت وثيقته في ٢٠١٠ .. وتتضمن محاور اساسيه للنهوض .. هي : الوحده العربيه - الديموقراطيه - التنميه المستقله - العداله الاجتماعيه - الاستقلال الوطني - التجدد الحضاري .. وسبب دهشتي هو ان من شاركوا في كتابته شاركوا في الموجه المصريه الثوريه .. وتصدوا للتنظير لها .. لكنهم لم يعودوا اليه ..ولم يستفيدوا من افكاره .. وقادوا الشباب الي مايناقض التجدد الحضاري والاستقلال الوطني والتنميه المستقله والديموقراطيه .. من خلال تحالفهم مع الاخوان .. او تمرير اخطائهم لبعض الوقت .
  وحين نقول ان تحقيق الاهداف  يحتاج الي زمن فأن هذا لايعني اننا نتبني  وجهة نظر الاخوان الذين يطالبون كل يوم بان يُمنحوا فرصه .. وان يصبر عليهم الشعب .. لكي يحققوا الانجاز . هذه غير تلك .. لان الاخوان ثبت انهم يريدون البلد لهم وحدهم .. وتاكدنا انهم يخالفون عهودهم .. وتبين للجميع بدون شك انهم ليس لديهم برنامج ولايتمتعون برؤيه .. وليست لديهم قدرات بشريه يمكنها ان تحقق ماتعلنه من شعارات .. كما انهم يريدون ان يفعلوا الشيء ويتلكمون عن نقيضه ..والاخطر انهم يريدونها دوله دينيه رجعيه يديرها المرشد من هضبة المقطم ..دون ان ينتخبه احد .

   ولايريد الشباب المحبط ان يضيف الي معاناته النفسيه الشعور بشماته آخر ، معه حق ، كما انني انتقد كل من يعتقد ان تدهور الاوضاع وشيوع الفشل يعطيه الحق في ان يوجه اللوم لغيره .. او يبتسم في سخريه .. او يردد في تهكم " ألم نقل لكم " ؟ .. المشاعر الاولي والتصرفات الثانيه هي نوع من الطفوله السياسيه التي يجب ان نتجاوزها .. حتي الحارات المصريه التي كانت تتبادل فيها النساء مثل هذه المبارزات اللفظيه تطورت وترفعت عن ذلك . نحن لسنا في احد مشاهد الكيد بين زوجتي الشقيقين في فيلم ( الزوجه الثانيه) .. بل بصدد التصدي لازمه بلد .. تحتاج الي سواعد الجميع من اجل ان يعملوا سويا لكي تعبر من كبوتها .

      وقد يمكنني تفسير تصرف نصف المجتمع الاخر .. الذي يتهكم او يسخر .. اذ ربما انه شعر بالاهانه .. وقد يكون واجه حمله معنويه ضاغطه .. وربما تعب من الهجوم النفسي الضاري الذي لم يحترم حقه في ان يختار مايشاء .. حين لاحقه بعض الشباب الثائر باتهامات التخلف والوقوف الي جانب الفساد ومساندة ماقالوا انه طغيان .. بل ان هذا وصل الي حد وصف نصف المجتمع الاخر بانه مصاب بمرض (متلازمه استوكهولم) .. اي كما لو انه رهينه يستعذب الام خاطفه ..ويريد ان يستعبده !

   لانريد تسجيل نقاط لصالح هذا ضد ذاك او العكس .. المجتمع ليس اهلي وزمالك .. او موزعا بين مؤيدي البارسا وريال .. نريد ان نصل الي توافق مجتمعي .. اعتراف متبادل بين كل المصريين .. أخطأ الجميع .. والا لم يكن البلد ليصل الي هذا الذي هو عليه الان .. ولن يكون من حق احد ان يقول انه علي صواب .. الذين ثاروا كانت لهم مبرراتهم .. والذين ايدوا عصر مبارك لايريدونه ان يرجع .. ولكنهم يريدون ان يقيم بعداله وشفافيه ..وان يمنح التقدير اللائق من التاريخ .. وتلك ليست مهمه احد ممن يتبادلون المعايره . في التحليل الاخير كلاهما يواجه خطرا واحدا ضد الدوله المدنيه التي ىريدونها .. كلاهما يرغب في تطوير مصر .. كلاهما يريد العداله .. كلاهما لايمكن ان يقبل بهؤلاء الذين يريدون احتكار كل شيء .