2012-01-08

قرأت لك: مقال نيوتن عن ألغاز المجتمع المصري نظرية اللحاف، والشيطان الحقيقي




٨/١/٢٠١٢صفحة ٥

نظرية اللحاف!

 بقلم  نيوتن   


كن ما تريد. تحمل مسؤوليتك. فقط حدد ما تريد. حتى إذا لم تعرف ما تريد فإن هذا فى حد ذاته اختيار.. اقبل به وادفع ثمن تبعاته.

أفلت منى عصر الجمعة فى حديقة بيتى. كان الطقس بارداً والهواء لا يمكن احتماله. دخلت البيت متسائلاً: كيف كنت أحتمل درجات حرارة تحت الصفر فى بعض الولايات الأمريكية ولم أعد أحتمل برد مصر الطفولى. خلصت إلى نتيجة: الجسم يتكيف مع بيئته.


فى مصر نحن نتمرد على بيئتنا. طموحنا يفوق إمكانياتنا أضعافاً. نرفض واقعنا. نريد تغييره. نقيد أنفسنا بشروط خيالية. لا يتغير واقعنا وتسلخنا أحلامنا. لا نطيق حياتنا. لا نتقدم. نحبط. نتحسر. لا نلوم أنفسنا أبداً. تلك هى المصيبة.


أعددت لنفسى كوب نسكافيه. نصف ملعقة سكر ونصف ملعقة كريمة منزوعة الدسم. صببت الماء الساخن فوق حبيبات البن. ذابت أمامى بينما تصاعدت رائحة القهوة المنعشة. فكرت فى بعض ألغاز المجتمع المصرى وأنا أجلس أمام مدفأتى.


الخيارات الاقتصادية للدول معروفة. أى تنمية تحتاج مشروعات. أى مشروع لابد له من تمويل. لو كانت لدى البلد موارد مناسبة ولا تهتز كفى الله المصريين شر الاحتياج، لكن مواردنا محدودة. لابد أن يتوفر لنا تمويل من خارجنا.


قد يكون الحل هو الاقتراض. كل الدول تقترض من الداخل والخارج وفق ضوابط معروفة. الاستدانة فى حد ذاتها ليست عيباً. كرامتنا تأبى ذلك. الحكومات الشعبوية توهم المجتمع أنها لن تورطه فى الديون رغم أن أى دين لو كان مدروساً سوف يسدد. المجتمع نفسه مازال يعتبر الاقتراض عيباً خصوصاً لو كان من صندوق النقد الدولى. أتحدى لو قبل الصندوق أصلاً إقراضنا الآن.


ربما يكون الحل أن نحصل على منح ومساعدات. نحن نحب المنح لكننا نتجاهل أن لكل منحة ثمناً. على الأقل تقول للمانح شكراً وتقر بأنه قد منحك مساعدة، لكن كرامتنا تأبى ذلك. نريد منحاً بلا مقابل، بل أن نتلقاها بكل إباء وشمم.. وإن لم تأت عايرنا من لم يدفع!


هل الحل هو أن تتشارك الحكومة مع القطاع الخاص فى المشروعات التى يحتاجها البلد؟ تقرر الحكومة المواصفات ويبنى القطاع الخاص المشروع ويحصل على بعض أرباحه لمدة سنوات. هذا أسلوب معروف، لكن الصحافة وما حولها لن تقتنع بذلك. ستختلق فى الصفقة احتمالات تواطؤ بين الحكومة وأى رجل أعمال. طبعاً أى رجل أعمال فاسد حتى لو ثبت العكس.. وأى شراكة مع القطاع الخاص جريمة ولو وقع اتفاقها الملائكة!!


إذن الحل هو أن نجتذب الاستثمارات الأجنبية. جيد. لكننا لا نعطى المستثمر ميزة. لو أعطاه أحد ميزة اتهمناه فى ذمته. لا نريد أن نمنحه الأرض بسعر رخيص حتى لو لم تكن سوى مرتع لعقارب الصحراء وعمرها هو بنفسه وماله. المطلوب من المستثمر أن ينفق ماله فى مصر دون أن يحصل على أى فائدة ويكون أفضل لو لم يحول أرباحه للخارج، ويكون خيراً لو تنازل عن مشروعه لنا بعد أن يزدهر.. ولا مانع أن نهدده بالتأميم!


لا نريد كل تلك الحلول. سيكون خيارنا الأخير هو أن نعمل بأنفسنا ونجتهد لكى نحول ترابنا إلى ذهب. نعمل؟ كيف؟ الموظف لا يعجبه راتبه، العامل مستعد أن يُضرب عن العمل طوال وقته ولا يقبل أن يتدرب ليرفع مستواه الفنى. الكل يريد تأميناً صحياً مجانياً وعلاوات شهرية ومكافآت يومية لكن لا أحد يقبل أن يُساءل عن مستوى وحجم ونوعية الإنتاجية.


حل هذه الألغاز معروف جداً: أن نبقى كما نحن، لا نحلم، ننزوى إلى أن نتلاشى!!




كيفما تريدوا تكونوا.. ولكى تكون يجب أن تتعب.. ولكى تغير واقعك لابد أن تكون واقعياً. مع آخر رشفة من كوب النسكافيه تساءلت: متى يمعن المصرى فى حكمته العامية العميقة: بقدر لحافك تتمدد ساقاك؟ حالنا منكمش ولحافنا قصير، ولو لم نستوعب حقائق الأمور فإن علينا أن نقبل وضع القرفصاء للأبد.




newton_almasry@yahoo.com















٣٠/١٢/٢٠١١صفحة ٥

الشيطان الحقيقى!

 بقلم  نيوتن   


فى الثقافة الشعبية المصرية نوع من الكراهية للمرآة. بعض المصريين يعتبرون النظر إليها زهواً بالنفس. هناك أمهات ينصحن بناتهن بألا ينظرن للمرآة. البعض يتحدث عن أن هذا يسبب لعنة. أرى ذلك هروبا من الذات. فراراً من النفس. هذا هو أكثر أنواع الهروب المصرى انتشارا.
نحن لا نواجه ذاتنا. نلقى بالعبء دوما على كاهل آخر. لا نرغب أبداً فى تحمل مسؤوليات ما يواجهنا من مشكلات. لا نعترف أبداً بأن العيب أو بعضه قد يكون فينا. يمتد هذا المرض الاجتماعى السقيم من أول معالجة مشكلات نظافة الشوارع إلى التعامل مع الأزمات الكبرى التى تواجه الدولة والمجتمع.
أطفالنا لا يتطورون، ليس لأن البيوت لا تدير طاقاتهم وإمكانياتهم بالطريقة الصحيحة.. إنما لأنهم يعانون نظاماً تعليمياً فاشلاً. قد يكون هذا صحيحاً من جانب.. ولكن الأصح أيضاً أننا، عائلياً، نلقن أبناءنا قيما تهدر ما لديهم من فرص إبداع ونمو. نكبتهم. نقهر حريتهم. نطوقهم بالقيود. تذبل عقولهم. تموت روح المبادرة داخلهم. تتلاشى احتمالات نبوغهم.
فى الأزمة التى تواجه البلد الآن ألقينا العبء أولاً على النظام السابق. انتهى هذا النظام منذ أشهر إلا أننا نعلق على شماعته كل الكوارث. نعتقد أن سجناءه فى طرة هم الذين يدبرون المكائد من داخل الزنازين. يروج بيننا أن الأثرياء المحابيس يمولون ما نطلق عليه الثورة المضادة. أقنعنا أنفسنا بأن دولا تضطهدنا ولا تريد لنا أن نتقدم خطوة للأمام.
 لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن أن نتحول إلى ألعوبة فى أيدى الآخرين.. إذا كنا نعرف وندرك أنهم يلعبون بنا، لماذا نستسلم لهم إذا كان هذا صحيحا؟!
حين بليت حجة مسؤولية النظام السابق أطحنا بالمسؤولية على المجلس العسكرى الأعلى. أصبح فى الإعلام مسؤولاً عن كل كارثة.. ربما هو مسؤول كذلك عن انخفاض درجة حرارة الجو وانتشار الصقيع لأنه لم يوزع على المواطنين ما يكفى من أغطية للتدفئة! بمضى الوقت تم تهويل الأمر وصولاً إلى تعليق جميع مشكلات مصر منذ ستين عاما فى رقبة العسكرية برمتها. ليس المشير وحده. ليس المجلس العسكرى من بعده. ليس الجيش بإجماله.. بل كل ما له علاقة بالعسكرية!
أثناء ذيوع هذا القدر الأحمق من التخبط تتلبسنا حالة من الإنكار. نتغافل الحقائق. نتجاهل شموس التاريخ. نظام يوليو لم يؤمم قناة السويس. لم يحول الدولة إلى نظام جمهورى. لم يحرر البلد من الاحتلال. لم يخض حرب الاستنزاف. لم يحقق نصر أكتوبر. ليس هو الذى خاض مجموعة حروب من أجل قضية فلسطين. لا نستحضر هذا فى أى نقاش. حوّلنا كل ما هو عسكرى إلى خصم يجب مواجهته. المجتمع يستنزف رصيده.
سوف يخلى المجلس العسكرى الأعلى مسؤولياته فى نهاية يونيو المقبل. مصر لن تصبح مختلفة يوم أول يوليو ٢٠١٢. سوف تشرق شمس عصر جديد.. لكن هذا لا يعنى أن البلد سوف يتغير بين يوم وليلة. قد لا يتغير أصلا حتى لو جاءت الانتخابات الرئاسية بنبى يقود البلد بعد أن انتهى عصر الأنبياء. المشكلة تكمن فينا جميعا.. ولابد أن نواجه الحقيقة التى لا يمكن تخطيها.. لابد أن نصلح ما فى أنفسنا.
كيف ترتقى دون أن تجتهد؟ كيف تغتنى دون أن تعمل ويكون لديك رأسمال؟ كيف تقبض راتبا مريحا دون أن تنتمى لشركة ناجحة؟ كيف تنجح الشركة إذا لم تذهب إليها فى موعد أداء وظيفتك؟ كيف يتحرك الاقتصاد ونحن نتفرج عليه؟
 كيف تصعد البورصة بينما نثير الشغب فى الشوارع؟ كيف نلتئم ما لم نتصالح؟ كيف نصنع المستقبل فى بلد يهدم التاريخ؟ كيف يحترمنا الآخرون ونحن لا نحترم أنفسنا؟ كيف يسود القانون ونحن جميعا نبدع فى التهرب منه؟ كيف نحارب الفساد إذا كان أغلبنا يعتمد على الرشوة؟ كيف يصبح هذا البلد حرا وكلنا نصادر حق الآخرين فى أن يكونوا أحراراً؟ كيف تريد أن تصبح جزءا من عالم متحضر وأنت ترفض قيمه؟
لن تغيرنا حكومة. لن يبدلنا رئيس. ستغيرنا ذاتنا إن قسونا عليها. ستبدل أحوالنا أيدينا إن وجهناها إلى الصواب. سوف ندرك حجم المشكلة وتشخيصها إن واجهنا حقيقتنا. سوف نصنع المجد إن اجتهدنا. سوف نستعيد التاريخ إن احترمناه أولا.
newton_almasry@yahoo.com







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق